ابن حزم

428

الاحكام

قال علي : وهذا يبطل بأن هذه الآية إنما جاءت بإيجاب ما ذكر قبلها من الامر الذي هو النطق قال الله عز وجل : * ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) * فصح أن هذا الوعيد في أمره لهم بالبقاء معه ، وكذلك كان عليه السلام لا يؤذن لشئ من صلوات التنفل كالعيدين والكسوف تفريقا بين الفعل والامر ، إذ لو دعوا إلى الصلاة لكان أمرا ، والامر فرض . وقد حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم ، ثنا زهير بن حرب ، ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا نترخص فيه ، فبلغ ذلك ناسا من أصحابه ، فكأنهم كرهوه وتنزهوا عنه ، فبلغه ذلك فقام خطيبا فقال : ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه ، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية . قال علي : فهذا نص جلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم ترك فعل ما فعل ، فصح أنه ليس ذلك واجبا ، ولو كان واجبا لأنكر تركه ، وإنما أنكر عليهم إنكاره ، والتنزه عنه ، وهذا منكر جدا ، وقد أنكر عليهم ترك أمره ، فوضح الفرق بين الفعل والامر لمن عقل ، وبالله تعالى التوفيق . وبه إلى مسلم حدثنا محمد بن رافع ، وعبيد الله بن معاذ ، وابن أبي عمر ، وقتيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأبو كريب ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، قال ابن رافع : ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن همام بن منبه ، وقال ابن معاذ : ثنا أبي ، ثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، وقال ابن أبي عمر : ثنا سفيان - وهو ابن عيينة - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، وقال قتيبة : ثنا المغيرة الخرامي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، وقال ابن نمير : ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن أبي صالح السمان . وقال ابن أبي شيبة ، وأبو كريب : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، ثم اتفق همام ومحمد بن زياد والأعرج وأبو صالح ، كلهم عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم . وهذه